ابن كثير

64

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

عن التبذير والسرف إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ أي أشباههم في ذلك . قال ابن مسعود : التبذير الإنفاق في غير حق ، وكذا قال ابن عباس ، وقال مجاهد : لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرا ، ولو أنفق مدا في غير حق كان مبذرا . وقال قتادة : التبذير النفقة في معصية اللّه تعالى ، وفي غير الحق والفساد . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال ، عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه أنه قال : أتى رجل من بني تميم إلى رسول اللّه فقال : يا رسول اللّه إني ذو مال كثير ، وذو أهل وولد وحاضرة ، فأخبرني كيف أنفق ، وكيف أصنع ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « تخرج الزكاة من مالك إن كان ، فإنها طهرة تطهرك ، وتصل أقرباءك ، وتعرف حق السائل والجار والمسكين » فقال : يا رسول اللّه أقلل لي ؟ وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً فقال : حسبي يا رسول اللّه إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى اللّه وإلى رسوله ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها ولك أجرها ، وإثمها على من بدلها » . وقوله : إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ أي في التبذير والسفه وترك طاعة اللّه وارتكاب معصيته ، ولهذا قال وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً أي جحودا ، لأنه أنكر نعمة اللّه عليه ولم يعمل بطاعته ، بل أقبل على معصيته ومخالفته . وقوله : وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ الآية ، أي إذا سألك أقاربك ومن أمرناك بإعطائهم وليس عندك شيء ، أعرضت عنهم لفقد النفقة فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً أي عدهم وعدا بسهولة ولين ، إذا جاء رزق اللّه فسنصلكم إن شاء اللّه ، هكذا فسر قوله : فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً بالوعد ، مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغير واحد . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 29 إلى 30 ] وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ( 29 ) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 30 ) يقول تعالى آمرا بالاقتصاد في العيش ، ذاما للبخل ، ناهيا عن السرف وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ أي لا تكن بخيلا منوعا ، لا تعطي أحدا شيئا ، كما قالت اليهود - عليهم لعائن اللّه - يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [ المائدة : 64 ] أي نسبوه إلى البخل ، تعالى وتقدس الكريم الوهاب ، وقوله وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ أي ولا تسرف في الإنفاق ، فتعطي فوق طاقتك ، وتخرج أكثر من دخلك فتقعد ملوما محسورا ، وهذا من باب اللف والنشر ، أي فتقعد إن بخلت ملوما يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك ، كما قال زهير بن أبي سلمى في المعلقة : [ الطويل ]

--> ( 1 ) المسند 3 / 136 .